فخر الدين الرازي

132

تفسير الرازي

طرق المعرفة هو الرؤية . فوجب أن تكون رؤية الله تعالى مطلوبة لكل أحد ، وإذا ثبت هذا وجب القطع بحصولها لقوله تعالى : * ( ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ) * ( فصلت : 31 ) . الحجة العاشرة : قوله تعالى : * ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلاً ) * ( الكهف : 107 ) دلت هذه الآية على أنه تعالى جعل جميع جنات الفردوس نزلاً للمؤمنين ، والاقتصار فيها على النزل لا يجوز ، بل لا بد وأن يحصل عقيب النزل تشريف أعظم حالاً من ذلك النزل ، وما ذاك إلا الرؤية . الحجة الحادية عشرة : قوله تعالى : * ( وجوه يومئذ ناضرة * إلى ربها ناظرة ) * ( القيامة : 22 ، 23 ) وتقرير كل واحد من هذه الوجوه سيأتي في الموضع اللائق به من هذا الكتاب . وأما الأخبار فكثيرة منها الحديث المشهور وهو قوله عليه السلام : " سترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر لا تضامون في رؤيته " واعلم أن التشبيه وقع في تشبيه الرؤية بالرؤية في الجلاء والوضوح لا في تشبيه المرئي بالمرئي ، ومنها ما اتفق الجمهور عليه من أنه صلى الله عليه وسلم قرأ قوله تعالى : * ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) * ( يونس : 26 ) فقال الحسنى هي الجنة ، والزيادة النظر إلى وجه الله ، ومنها أن الصحابة رضي الله عنهم اختلفوا في أن النبي صلى الله عليه وسلم هل رأى الله ليلة المعراج ، ولم يكفر بعضهم بعضاً بهذا السبب ؟ وما نسبه إلى البدعة والضلالة ، وذا يدل على أنهم كانوا مجمعين على أنه لا امتناع عقلاً في رؤية الله تعالى ، فهذا جملة الكلام في سمعيات مسألة الرؤية . المسألة الخامسة : دل قوله تعالى : * ( وهو يدرك الأبصار ) * على أنه تعالى يرى الأشياء ويبصرها ويدركها . وذلك لأنه إما أن يكون المراد من الأبصار عين الأبصار . أو المراد منه المبصرين ، فإن كان الأول وجب الحكم بكونه تعالى رائياً لرؤية الرائين ولأبصار المبصرين ، وكل من قال ذلك قال إنه تعالى يرى جميع المرئيات والمبصرات . وإن كان الثاني وجب الحكم بكونه تعالى رائياً للمبصرين ، فعلى كلا التقديرين تدل هذه الآية على كونه تعالى مبصراً للمبصرات رائياً للمرئيات . المسألة السادسة : قوله تعالى : * ( وهو يدرك الأبصار ) * يفيد الحصر معناه أنه تعالى هو يدرك الأبصار ولا يدركها غير الله تعالى ، والمعنى أن الأمر الذي به يصير الحي رائياً للمرئيات ومبصراً للمبصرات ومدركاً للمدركات ، أمر عجيب وماهية شريفة ، لا يحيط العقل بكنهها . ومع ذلك فإن الله تعالى مدرك لحقيقتها مطلع على ماهيتها ، فيكون المعنى من قوله : * ( لا تدركه الأبصار ) * هو أن شيئاً من القوى المدركة لا تحيط بحقيقته ، وأن عقلاً من العقول لا يقف على كنه صمديته ، فكلت الأبصار عن إدراكه ، وارتدعت العقول عن الوصول إلى ميادين عزته ،